وثيقة URFIG

تحليل خاص بمنظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي

 

 

أسباب مواجهة "الجولة الجديدة"

 

نظّمت الإدارة العامّة للمفوّضية الأوروبية في بر وكسل سلسلة ندوات امتدّت على ثلاثة أيّام من 21 إلى 23 أيّار/مايو، إثر المؤتمر الثالث للأمم المتّحدة حول الدول الأقلّ تطوّرا، حضرها صحفيّون من هذه الدول. وكان عنوان الندوات " التجارة الشاملة والدول الأقل تطورا: موقف الاتحاد الأوروبي". وتناول البحث أكثر ما تناول موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لجولة جديدة من المفاوضات التجارية في منظمة التجارة العالمية. ولم تعطى الحركة التي لا تنشد الربح إلاّ فرصة وحيدة للتعبير عن مناهضتها للجولة الجديدة. وكان الدكتور روول مارك جنّار تلقّى دعوة لحضور جزء من الندوات مخصص للتباحث مع "المجتمع المدني" في حين عبّر المتحدثون الثلاثة الآخرون عن وجهة نظر عالم الأعمال. في ما يلي نصّ المداخلة التي قدّمها زميلنا يوم الثلاثاء الواقع فيه 22 أيّار/مايو.  

 لماذا تعترض أكثر من 1500 منظمة لا تنشد الربح حول العالم على ما يسمّى "بالجولة الجديدة" للمفاوضات التجارية لمنظمة التجارة العالمية وهي منظمات تعمل في ميادين التنمية والصحة والتعليم والبيئة وحقوق المستهلك والزراعة وحقوق المواطن والمرأة ؟ ولماذا يتخذ عدد كبير من الدول النامية الموقف نفسه؟ هذا ما سأحاول أن أشرحه لكم فالأسباب تتوافر في الاتفاقيّات المعقودة (1) والمواد المطروحة على بساط البحث (2).

1- سوء تطبيق وعدم احترام الاتفاقيات التي عقدت في مراكش في نهاية جولة الأوروغواي. والسؤال الأساسي في تطبيق هذه الاتفاقات يقضي بتقييم طريقة تطبيقها ونتائجها على المستوى الاجتماعي والبيئي. وكمرحلة ثانية لا بدّ من مراجعة هذه الاتفاقات على ضوء التقييم. وفي المرحلة الثالثة يجب إصلاح الإجراءات المؤسساتية داخل منظمة التجارة العالمية للوصول إلى إعادة هيكلة المنظمة بكاملها. ونحن مقتنعون كل الاقتناع بوجوب اتخاذ هذه الخطوات قبل المضي قدما، فما ذاك إلاّ توطئة لكل نقاش حول أي مادّة جديدة.

1.‍1 تقدّم السنوات الخمس من تطبيق الاتفاقات المعقودة الدليل القاطع على أن هذا التطبيق غير متوازن. وكما قالت سفيرة مصر لدى منظمة التجارة العالمية السيدة فايزة أبو النجا في جولة الأوروغواي "وعدونا بنجوم السماء وعلى ماذا حصلنا في المقابل؟".ولدى توقيع اتفاقات مراكش تقرر إجراء تقييم بعد تحليل نتائج جولة الأوروغواي وهو ما لم يحدث أبدا. والسبب أنّ التحليل يعطي النتيجتين التاليتين:

*إنّ مراقبة مضمون الاتفاقات المختلفة يبرز التفاوت الكبير بين الحقوق والواجبات على حساب الدول النامية.

*أن تطبيق قواعد منظمة التجارة العالمية يؤدّي إلى تنافس غير متكافئ. فلنأخذ بعض الأمثال:  

2.1 ينظم الاتفاق الزراعي لمنظمة التجارة العالمية تنافسا بين المنتجات الزراعية التي تحظى بدعم (مباشر أو غير مباشر) لدول الشمال والمنتجات الزراعية التي لا تحظى بأي دعم لدول الجنوب. فيحق مثلا للولايات المتحدة وأوروبا أن تساعد المصدرين وتدعم الإنتاج ويسمح لها بوضع حد للتصدير من جهة، في حين منعت الدول النامية من اتخاذ الإجراءات نفسها من جهة ثانية. وتأتي الأرقام بحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE 300 مليار دولار أميركي من المساعدات مقابل لا شئ.وبالإضافة إلى هذه المنافسة غير الشريفة يزيد الوضع سوءا إجبار استيراد 5% من المحاصيل الزراعية.

3.1 يتميّز اتفاق منظمة التجارة العالمية حول حقوق الملكية الفكرية المتعلّقة بالشؤون التجارية (ADPIC) بعدم التوازن بين أصحاب حقوق الملكية الفكرية وحقوق المستفيدين والمؤسسة بشكل عام. فـ95% من الإجازات هي للشمال بينما تفرض منظمة التجارة قوانينها على الجميع. ويخرق هذا الاتفاق المعاهدة الدولية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أعلنتها اللجنة الفرعية للحقوق الإنسانية التابعة للأمم المتّحدة التي تحمي سيادة الشعوب على ثرواتها الطبيعية. وكانت هذه اللجنة الفرعية قد أعلنت ما يلي: " بما أن تطبيق الاتفاق حول حقوق الملكية الفكرية المتعلّقة بالشؤون التجارية لا تشرح كما يجب طبيعة حقوق الإنسان وعدم تجزئها لا سيما حق كل فرد بالاستفادة من التطوّر العلمي، وحقه في الصحة والغذاء وتقرير المصير، ينشأ صراع واضح بين حقوق الملكية الفكرية الموجودة في الاتفاق والقانون الدولي المتعلّق بحقوق الإنسان".(منظمة الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي).

4.1 كان من المفترض أن يحقق اتفاق منظمة التجارة العالمية حول الأقمشة والثياب تحريرا كاملا لهذا القطاع في غضون عشر سنوات. ولكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانا لا يزالان يتمتعان بحماية قانون الكوتّا وبعض الشروط. ولم تقم الدول الصناعية بأي تقدم باتجاه فتح أسواقها. ويعتبر هذا الاتفاق أكثر اتفاقات المنظمة خللا: فهو لا يلحظ أي عقوبة للدول المستوردة بل على العكس يضع آلية في صالح قطاع النسيج في الدول المتطوّرة.

وترفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذه المنافسة ويستخدمان آليات حماية كنظام ضد إغراق الأسواق. وأجبر الاتحاد الأوروبي بنغلادش على سحب مئات رخص التصدير ما أدّى إلى خسارة آلاف الوظائف في هذا البلد.

5.1 ولوج الأسواق وخفض الرسوم الجمركية والمساعدات وقوانين ضد الإغراق والخدمات كلّها تقدّم الدليل القاطع على عدم التوازن في اتفاقات منظمة التجارة العالمية. ومن بين هذه الأمثال آخر ما سأتطرّق إليه هو اتفاق المنظمة بحد ذاته حيث تسجل الشفافية والمسؤولية والديموقراطية غيابا تاما. فتؤخذ القرارات المهمّة في الجلسات غير الرسمية بين حفنة من الدول يترأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان وكندا. وهذه الطريقة تسمّى طريقة "الغرفة الخضراء". فالمشاكل المطروحة على الملء وأمام اللجان تخلق جوّا من الفوضى على حساب دول الجنوب التي لا تملك كوادر كافية للمشاركة في المفاوضات اليومية المتعلّقة بعدد كبير من القضايا ذات التعقيد الشديد. وتقوم الشركات المتعددة الجنسية بإمداد وفود الدول الصناعية بالتحاليل والتوصيات. وفي غياب كل مراقبة ديموقراطية تجمع المنظمة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.فما يسمّى بالحكّام هم قضاة في الوقت عينه. وآلية فض النزاعات ليست مستقلّة ولا تضمن للدول الفقيرة الضعيفة العدل التجاري وغير المنحاز. لهذا السبب أكّد سفير الهند لدى منظمة التجارة العالمية السيد نارايانان:"يكمن التحدي في التأكّد من أن نظام منظّمة التجارة العالمية يرتكز حقّا على أسس ومبادئ كما يجدر به أن يكون وليس مبنيا على علاقات القوى". أضف إلى أنّ الأمانة العامّة لا تقف على الحياد والمثال على ذلك أنّه بالرغم من أن عددا كبيرا من الدول الأعضاء (وقد يتّضح لاحقا أنها الأكثرية) يناهض جولة المفاوضات التجارية الجديدة، فقد قام المدير العام لمنظمة التجارة العالمية السيد مايك مور بحملة دعائية لهذه الجولة الجديدة مجنّدا معه كل الموظفين في حين لم يكلّفه أحد بهذه المهمّة هذه هي الديموقراطية في منظمة التجارة العالمية.

2- في آذار/مارس الماضي أعلن سفير زيمبابوي لدى منظمة التجارة العالمية في جنيف أن تطبيق الاتفاقات المبرمة هو "أوّل نقطة على جداول الأعمال ومقررات الدول النامية". ولكن إذا كان تطبيق هذه الاتفاقات التي بالكاد أكملت السنوات الست السبب الأول في جعل الدول النامية والأقل نموا تتردد حيال الخيار الأوروبي في دعم جولة مفاوضات جديدة، فإنّ المواد الجديدة المطروحة على بساط البحث تزيد من هذا التردد. وتطول قائمة "المواد الجديدة" التي تقترحها الدول الصناعية ترمي إلى إنشاء علاقة بين التجارة وبعض المواد المتعلّقة بالاقتصاد وأخرى بعيدة عنه وهذا يعني قيود وعقوبات تجارية أكثر. وتهدف الدول الأوروبية على وجه التحديد إلى إخضاع بعض الأمور غير المتعلّقة بالتجارة إلى القوانين التجارية كالاستثمار والمنافسة والأسواق العامّة والبيئة. ويمارس الاتحاد الاوروبي أكثر من غيره ضغوطا لصالح هذه الجولة الجديدة كما لاحظ سفير باكستان لدى منظمة التجارة العالمية السيد منير أكرم قائلا: إنّ الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى جني الأرباح في ميادين عديدة كالاستثمار والسياسة والمنافسة من أجل تعويض خسارته في الملف الزراعي".

1.2 وفي الواقع يحاول الاتحاد الأوروبي إدخال قوانين جديدة تمنح امتيازات للمستثمرين الأجانب "لتسهّل الدخول إلى الدول وإمكانية العمل فيها بحرية" حسبما قال السيد مارتان كور وهو مدير شبكة العالم الثالث (THIRD WORLD NETWORK ) . واقترح الاتحاد الأوروبي صيغة مفصّلة للاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار الذي اقترحته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وتمهّد هذه الصيغة التي تحوي بدائل ومراحل الطريق للأولى وفي نهاية المطاف "ستجد الدول النامية صعوبات متزايدة أمام الدفاع عن سلوكياتها أو إعطاء الأولوية للمستثمرين والشركات والمزارعين المحليين الذين هم أضعف بكثير من الشركات المتعددة الجنسية." (مارتن كور).

2.2 وفي ما يخص سياسة المنافسة، كما أشار إليها السيد ناتان إرومبا سفير أوغاندا لدى منظمة التجارة الدولية "فإن الدول النامية بحاجة لتشريعات وطنية وليس لقوانين دولية لا تساعدها بشيء". ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى فرض اتفاق جديد يمنع القوانين التي تساعد الشركات المحلية في الدول النامية بحجّة أن هذه القوانين تعارض مبدأ التبادل الحر. فكيف يمكن تجاهل النتائج  المحتمة لنظام قوانين تجارية تساوي بين الشركات الدولية الكبيرة والشركات المحلية ؟ لاشك في أنّ سياسة المنافسة التي يريد الاتحاد فرضها ستؤدي إلى الاحتكار الأجنبي على أسواق الدول النامية.

3.2 أما الأسواق العامّة فليست قضية تجارية وإن كانت متعلّقة بها. وفي هذا المضمار يسع الاتحاد الأوروبي إلى إخضاع الإجراءات والقرارات المتعلقة بميزانيات الدول النامية تحت سيطرة منظمة التجارة العالمية. فيستفيد الاجانب من الامتيازات نفسها التي يستفيد منها المواطنون كما يلغي هذا الاقتراح امكانية مساعدة الحكومات للشركات المحلية عبر اعطائها قسما من اسواقها. فيهدد بالتالي أداة مهمّة لدعم المنشآت المحلية الآيلة إلى التطور الوطني وتحقيق انجازات اجتماعية- اقتصادية. وإن كان كمرحلة أولى تم فرض قانون عن الشفافية يبقى أن على هذه الدول أن ترفع مشاريع القوانين كلّها لمنظمة التجارة العالمية. إنّها نهاية السيادة الوطنية ليس لصالح السلام أو التضامن ولكن من أجل الربح. مرة أخرى يتم استعمال هذه المنظمة كأداة لإجبار الدول النامية على الامتثال لنظام تحكمه الشركات.

4.2 تتحمّل الدول الغربية مسؤولية الكوارث البيئية وهي الآن تحاول ربط هذا الموضوع بالاجراءات التجارية. فهي تريد أن تفرض مفاهيم جديدة كجعل ثمن الكوارث البيئية وإغراق الاسواق واجراءات القوانين والتصدير عبأ دوليا. وهذه المفاهيم مرتبطة ببعضها البعض ولكن السؤال في معرفة إذا كانت الدول كلّها ستعتمد المعايير نفسها أم أن المعايير تتغيّر بحسب درجة التطوّر. ففرض معايير موحدة امر غير عادل لأنها ليست في صالح منتجات الدول الفقيرة. وصحيح أنّه لا بد من مناقشة السياسات وطرق تطبيقها على الصعيد الدولي لحل المشاكل البيئية ولكن ليس في منظمة التجارة العالمية فالبيئة ليست قضية تجارية.

3- أودّ ان أختم مداخلتي بدحض عدد من تصريحات المنظمة والاتحاد الأوروبي وهي من باب التضليل الإعلامي والتلاعب.

1.3 قالوا أن الاتحاد الاوروبي يرغب بدراسة انتظارات الدول النامية في جولة جديدة من المفاوضات. ولكن هذا لا يعكس النوايا المفوضية الأوروبية الحقيقية. فقد أعلنت المفوضية في اجتماع لمجلس وزراء الاتحاد الاوروبي مخصص لتحسين عمل منظمة التجارة العالمية " يجب اتخاذ القرارات المؤسساتية بعد الأخذ بعين الاعتبار الاطار الجديد للجولة الجديدة من المفاوضات التجارية ولكن يجب ألاّ تكون هي منطلق الجولة فهذه الأخيرة هي أولى أولويات النظام التجاري".

2.3 قالوا لنا أن الجولة الجديدة هي السبيل الوحيد للاستماع لانتظارات الدول النامية. هذا ليس صحيحا لأنّه من الناحية القانونية ما من شيء يجبرنا على بدء سلسلة جديدة من المفاوضات المتضمنة موادا جديدة إذا كنا نريد أن نعدّل الاتفاقات المبرمة سابقا.

3.3 قالوا لنا أنه من دون الجولة الجديدة سينهار النظام التجاري برمّته.إنّه ابتزاز لا غير‍. هل حدث أي انهيار بعد سياتل؟ إن غياب جولة جديدة من المفاوضات لا تبطل  الاتفاقات المبرمة التي بموجبها ستستمر المفاوضات حول الزراعة والخدمات والملكية الفكرية.

4.3 قالوا انّه من دون جولة جديدة لن تتمكّن الدول النامية من مواجهة الركود الآتي. لم يكن الركود متوقعا قبل سياتل ورغم ذلك أصرّ الاتحاد الأوروبي على جولة جديدة. ولا أظن أن كما اضافيا من المواد المطروحة سيزيد من قدرة الدول الفقيرة على مواجهة الركود.

5.3 قالوا لنا أنّه من دون جولة جديدة من المفاوضات ستزداد الدول الفقيرة فقرا  ولكن لسنا بحاجة لجولة جديدة كي نقلل من الخلل في تطبيق الاتفاقات المبرمة وخلق أجواء تسمح للدول الفقيرة بتحسين أوضاعها.

6.3 الجولة الجديدة ليست خيارا يفرضه القانون فما من شيء في الاتفاقات السابقة يجبر الدول الأعضاء على البدء بجولة جديدة. فالجولة ليست خيارا يفرضه الاقتصاد لأنّه من وجهة نظر اقتصادية، ما من شيء يجبرنا على زيادة المواضيع الخاضعة لسلطة المنظمة إذا ما أردنا أن نطبّق ما نصّت عليه الاتفاقات السابقة. وكما قال سفير باكستان "إن فرض الجولة الجديدة كشرط اساسي هو بمثابة فرض شرط سياسي". وهي جملة تلاقي ما قاله سفير زيمبابوي :"يجب ألاّ يتم الخلط بين التحضير لجولة جديدة ووضع جدول أعمالها و التحضير للمؤتمر الوزاري الرابع الذي سيعقد في الدوحة الشهر المقبل وجدول أعماله".

وختاما سأقتبس مرة أخرى كلام ممثل عن دول الجنوب سلّط الضوء على مكر الدول الصناعية في طلبها لعقد جولة مفاوضات جديدة وهو سفير جامايكا السيد رانسفورد سميث حين قال:" نحن بحاجة إلى جولة جديدة لكي نتفادى هبوط في الحمائية" فعندما لا تسير الأمور على ما يرام يقولون لنا " نحتاج إلى جولة جديدة لنمنع الحمائية ونخرج الاقتصاد العالمي من المازق" ويبقى السؤال :متى تحديدا لا نكون بحاجة لجولات جديدة؟"

 الدكتور روول مارك جنّار

 

الجمل المنقولة التي لم يتم الإشارة إلى مصادرها تأتي من :

South-North Development Monitor - SUNS, 16 March 2001 - suns@igc.org

 

.تطوعت للترجمة إلى العربية بيسان الشيخ