وثيقة مدعومة من قبل URFIG

خاصة بمنظمة التجارة العالمية

 

 لا لفتح جولة مفاوضات جديدة في الدوحة

 المنتدى العالمي حول العولمة والتجارة العالمية

البيان الختامي والتوصيات

*  بيروت في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2001  *

 

بين الخامس والثامن من تشرين الثاني نوفمبر 2001،  وعشية المؤتمر الوازاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية في الدوحة، انعقد في بيروت "المنتدى العالمي حول العولمة والتجارة العالمية" بمشاركة ممثلين عن المجتمع المدني من القارات الخمس، للبحث في الموقف من انعقاد الدورة الرابعة لمنظمة التجارة العالمية وجدول اعمالها، وللبحث في التطورات العالمية المستجدة، ومناخات الحرب والعسكرة، التي تهيمن على مجمل مجالات الحياة في مختلف انحاء العالم.

 وبعد نقاشات مستفيضة للمواضيع المثارة، صدر عن المشاركين البيان والتوصيات التالية:

 يشكل اجتماع الدوحة في التاسع من تشرين الثاني نوفمبر 2001، اول اجتماع عالمي شامل بعد اعتداءات الحادي عشر من ايلول، وبعد بدء الحرب على  افغانستان، وهو لهذا السبب يمكن ان تكون له اهمية خاصة. خصوصا انه ينعقد لاول مرة في بلد عربي، وفي هذا التوقيت، وعلى مقربة من العراق المحاصر، وعلى مقربة من فلسطين اكثر النقاط سخونة في العقود الاخيرة حيث لا يزال الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال الإسرائيلي.

إن هذا الواقع يجعلنا نحذر من استخدام التطورات الأخيرة، كوسيلة ضغط جديدة على البلدان النامية من اجل فرض تنازلات إضافية عليها. إذ لا بد من رفض استخدام التجارة العالمية، وأي من آليات إدارة الاقتصاد العالمي، كذراع للحرب العسكرية المعلنة.

 إن سبع سنوات من عمر منظمة التجارة العالمية، كانت اكثر من كافية للتحقق من تهافت وعد الازدهار والنمو، ووعد فتح الاسواق امام منتجات البلدان النامية والفوائد الجمة التي ستجنيها هذه الاخيرة من جراء انتسابها الى المنظمة. فما تحقق فعليا خلال هذه السنوات، كان نقيض ذلك، اذ توسع الركود الاقتصادي ليشمل عددا  أكبر من البلدان، ومنيت الدول النامية بخسائر كبيرة في اقتصادها ومبادلاتها التجارية، وبقيت التدابير الحمائية تحول دون دخول سلعها الى اسواق دول الشمال، والحقت بالزارعة والامن الغذائي للشعوب خسائر واضرار كبيرة، وتعمقت الهوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب على نحو لا سابق له، فيما ازدادت القيود على تداول التكنولوجيات الحديثة، ومنعت قوة العمل من الانتقال الحر بين البلدان.

 لقد تبين بالممارسة ان منظمة التجارة العالمية، لجهة مضمون اتفاقياتها، ولجهة آليات عملها، منحازة بالكامل لصالح الشركات الكبرى ورأس المال العالمي، وهي لا تولي أي اهمية لفكرة العدالة الدولية، ولمصالح البلدان النامية، ولمصالح شعوب بلدان الشمال نفسها، وهي تتناقض بشدة مع تحقيق التنمية، ومع حق الشعوب فيها. وهذا الواقع يفسر قيام حركة عالمية متصاعدة مناهضة لوجود منظمة التجارة، او صلاحياتها ودورها وآليات عملها.

 ان خطاب التجارة الحرة السائد هو نوع من الايديولوجيا المنحازة  لصالح رأس المال العالمي، وما تسعى اليه منظمة التجارة العالمية يتناقض بشكل مباشر مع مبادئ العدالة الاجتماعية، وحقوق الانسان، ومع المواثيق الدولية. وان نقدنا اليوم لمنظمة التجارة العالمية، انما يستند الى ما توافقت عليه البشرية في عقود سابقة من حقوق للانسان، عبرت عنها احيانا وثائق صادرة عن الامم المتحدة. فالاعلان العالمي عن الحق في التنمية الصادر عن الجمعية العمومية للامم المتحدة عام 1986، ينص في مادته الاولى على ان "الحق الانساني في التنمية يتطلب الاعمال الكامل لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو يتضمن .. ممارسة السيادة الكاملة وغير المنازع فيها على ثرواتها الطبيعية ومواردها".

 ان ما تسعى اليه منظمة التجارة العالمية، هو التحول الى سلطة تجارية واقتصادية فوق الدول، تجرد هذه الاخيرة عمليا من قدرتها على وضع سياسات اقتصادية واجتماعية ومالية وطنية تسهم في التنمية، وتنزع حتى عن القضاء الوطني صلاحية النظر في كل ما يقع ضمن نطاقها. وهو ما يفرغ الحق في التنمية، ومجمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعوب والافراد من مضمونها، ويحرم الشعوب من الادوات السياسية والمؤسسية والقانونية التي تمكنها من وضع سياسات تنموية وطنية وتوفير موارد ووسائل تنفيذها.

 ان مبادئ عمل منظمة التجارة العالمية، تريد ان تجعل من التجارة مبدأ شاملا مطلقا، وتجعل من التنمية وحقوق الانسان ومصالح الشعوب، امورا فرعية يجب ان يجري تكييفها لتنسجم مع مبادئ التجارة العالمية وليس العكس.

 إن إنشاء منظمة دولية تملك هذا القدر من الصلاحيات والسلطات هو امر خطر  بذاته، وهو يزداد خطورة في ظل الميل الراهن الى عسكرة العولمة، و الهيمنة الاحادية القطب على القرار العالمي.

 على هذا الاساس، فان المشاركين في المنتدى العالمي حول العولمة والتجارة العالمية في بيروت، وفي ختام مناقشاتهم، يعلنون المواقف والتوصيات التالية الموجهة الى اجتماع الدوحة في التاسع من تشرين الثاني نوفمبر 2001:

1-       رفض فتح جولة جديدة من المفاوضات، ورفض ادراج اية مواضيع جديدة على جدول الاعمال، ولاسيما مسائل الاستثمار، والمنافسة، والمشتريات الحكومية، وغيرها من المسائل التي تشكل اغراقا للمؤتمر، بما يجعل وفود الدول النامية في وضع يشبه استحالة متابعة التفاوض في المسائل المطروحة كلها.

    2-           مراجعة مضمون الاتفاقيات السابقة في ضوء تجربة الممارسة المتحققة، والتي بينت انحيازا كبيرا ضد مصالح البلدان النامية، والتي أدت عمليا إلى انتهاك الحقوق  الاقتصادية والاجتماعية لشعوب هذه البلدان. ويتضمن ذلك مراجعة وتعديل او الغاء الاتفاقيات المجحفة، او التي وقعت تحت الضغط، او عن عدم معرفة. فكل هذه العناصر: الاجحاف او الضغط او الجهل، هي عناصر معطلة للارادة، ومفسدة للتعاقد الذي تم.

    3-        إلغاء اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، التي  تضع قيودا شديدة على حق البلدان النامية في توفير الرعاية الصحية لشعوبها، وتضع العراقيل في وجه انتقال التكنولوجيا وتحمي حقوق الشركات المتعدية الجنسيات، لا بل تسهل استيلاء هذه الأخيرة على التراث الثقافي والرصيد الجيني لهذه البلدان.

    4-        إخراج الزراعة من نطاق منظمة التجارة العالمية، ومنع الإغراق الذي تمارسه الشركات الغذائية العملاقة لزارعة البلدان النامية. ويعني ذلك رفع الدعم عن الزارعات للتصدير والمنتجة في الدول الصناعية، وفتح اسواق هذه الاخيرة امام زراعات البلدان النامية،  واحترام حق البلدان النامية في وضع سياسات وطنية لتطوير وحماية زراعتها ومزارعيها. كما يعني ذلك ايضا  رفض الاجراءات الايلة الى احتكار انتاج البذور من خلال براءات الاختراع والتلاعب الجيني.

    5-        رفض شمول الخدمات الأساسية (المياه والصحة والتعليم) باتفاقيات التجارة، لارتباطها المباشر بمعيشة المواطنين وحقوقهم الأساسية التي يتوجب توفيرها ودعمها، وإبقائها خاضعة للرقابة الشعبية، وعدم إخضاعها لقوانين السوق وأغراض تعظيم الربح.

    6-       رفض إدراج معايير العمل ضمن اتفاقيات منظمة التجارة، والالتزام بالمبادئ والمعايير المتعمدة في منظمة العمل الدولية، وهي المنظمة ذات الاختصاص في موضوع العمل.

    7-       رفض تجاوز المنظمة للاتفاقيات البيئية المعقودة والتي وقعت عليها معظم دول العالم، وضرورة إلزام الاتفاقيات والأنشطة التجارية باحترام معايير السلامة البيئية والصحية.

    8-        رفض آليات العمل الداخلية في منظمة التجارة، وخصوصا آليات اتخاذ القرار، ونظام حل النزاعات، لعدم توفير شروط الديمقراطية والشفافية والمشاركة المتكافئة في هذه الاليات، ولاستحالة الاستمرار  في ظل مثل هذا النظام الذي يراعي إطلاقا مصالح وقدرات البلدان النامية.

  

    إن الاقتصاد والتجارة العالميين لا بد ان يسيرا وفق اسس تعزز العدالة والتكافؤ على الصعيد الدولي، وتمكن جميع البلدان من الافادة من التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، وبذلك يسهم الاقتصاد في ترسيخ السلم والاستقرار العالميين، وخلاف ذلك فهو يكون عنصرا مساهما في توليد التوتر والنزاع والحرب.

 

    ان عالمنا ليس للبيع، وحياة الناس ومصالح الشعوب ليست مادة للتجارة.

    وحركة الاعتراض العالمية الواسعة التي نجحت في افشال اجتماع سياتل قبل عامين، قادرة اليوم بفضل تراكم نضالها والتنسيق والتضامن في بين مكوناتها، على افشال فتح دورة جديدة في اجتماع الدوحة، وفرض احترام حقوق الشعوب وحقوق البلدان النامية خصوصا، في التنمية والعدالة الاجتماعية والسلم.

 

    إن نقل مقر اجتماع  منظمة التجارة العالمية من بلد الى آخر بهاجس تجنب ما جرى في سياتل عام 1999، لن يحل المشكلة. فالمطلوب من المنظمة ان تغير برنامج عملها وآلياتها، وليس مكان اجتماعها. وطالما لم تفعل  ذلك، فان كل مقر لاجتماعها، اينما كان، سيكون سياتل جديدة.